القسم : مقالات مختاره
التـعـلـيــــم المـهــنـــي والتــقــنـــــي
نشر بتاريخ : 11/14/2017 1:05:44 PM
د. محمد طالب عبيدات



د. محمد طالب عبيدات

التحديات التي تواجه التعليم العالي جسام – بالرغم من الجهود الوطنية المخلصة المبذولة لمواجهتها- منها الكم الطلابي وأعداد الخريجين وثقافة الشهادات وجودة التعليم العالي وتكرار وتداخل التخصصات في الجامعات بمسميات مختلفة ومضمون واحد، ضعّف احداث توجه استراتيجي متكامل على المستوى الوطني فيما يتعلق بالتخصصات ومرونة المواءمة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل المتغيرة والانغلاق على احتياجات السوق المحلي دون أخذ الأبعاد المستقبلية المحتملة للسوق اقليميا ودوليا ودخول جامعات أجنبية الى السوق العربية وأنظمة تعليمية غير تقليدية والتوجّه صوب التعليم الأكاديمي دون التقني، بالرغم من أن حاجات سوق العمل تقنيّة! اضافة للحاكمية والادارة الجامعية واستقلالية الجامعات والمؤسسية والتمويل وهجرة العقول والشفافية والمساءلة وسياسات القبول وضمان الجودة والبيئة الجامعية والبحث العلمي والربحية وغيرها.

فواقع التعليم المهني والتقني في الأردن والمنطقة العربية متأخر عن ركب التطور التكنولوجي العالمي، وذلك يعود  الى أسباب عديدة أبرزها: نظرة المجتمع الدونية الى هذا النوع من التعليم، والثقافة المجتمعية وثقافة العيب، وضعف مخرجات التعليم العام الذي ينتج طلاباً غير مؤهلين للابتكار والابداع والموهبة، وثقافة الصم والحفظ في التعليم العام دون التركيز على حل المشاكل والمعضلات ومواجهة التحديات، وعدم الاستثمار في مواهب ومجالات ابداع الطلبة، وقلة الحوافز المالية عند التشغيل وربما يكون هذا هو السبب الأهم والمطلوب تعزيزه من قبل الحكومة.

كما يعلم الجميع أن الهرم التعليمي في الأردن مقلوب، أي أن نسب الذين يذهبون للتعليم المهني والتقني لا تتجاوز 12% بالرغم من حاجات سوق العمل لذلك، بيد أن البقية يمثلون حملة الشهادات المُتكدّسة وغير المطلوبة لسوقي العمل المحلي والاقليمي، ما أدّى لتكدّس العاطلين عن العمل وبكثافة، وما أدّى لفوضى في سوق العمل وتواجد أكثر من مليون عامل من خارج الأردن منهم أكثر من النصف دون تصاريح عمل، بيد أن هنالك أكثر من 380 ألف طلب عمل لحاملي الشهادات من الأردنيين طلباتهما تراوح مكانها في أروقة ديوان الخدمة المدنية، فنسبة البطالة بين الذكور حوالي 18% والاناث 33%، والقطاع الرسمي يوظّف فقط 6-9% من المتقدمين للوظائف سنوياً، يعني كل 10 خريجين يتنافسون على فرصة عمل واحدة، وفي العام 2020 متوقّع تنافس كل 20 على فرصة عمل واحدة، مما يعني أنهم حملة شهادات دون مهارات! المهارات التي يتطلبها عصر التكنولوجيا والألفية الثالثة والتي أساسها تقني ومهني لا أكاديمي! وكأني أقول أننا أمام طوابير عاطلين لبطالة مقنعة غير مطلوبه في السوق كنتيجة لارضاء الرغبات التي يحتاجوها وأهليهم، وبالطبع المطلوب والحل لتلك المضلة هو مواءمة مخرجات التعليم العالي مع سوق العمل!

بالمقابل تنبّه الأردن لذلك بناء على توجيهات ملكية سامية وشكّل لجنة الموارد البشرية والتي خلصت لاستراتيجية الموارد البشرية والتي أوصت لضرورة التحوّل من 12% في التعليم التقني حالياً الى 45% خلال العشر سنوات القادمة، وأن تبدأ متأخراً خيراً من أن لا تبدأ، وهذا التحوّل بالطبع سيساهم في تغيير حال هرمنا التعليمي المقلوب، فهذا العام تم انخراط حوالي 18 ألفا في التعليم التقني وأقل منها بقليل في التعليم المهني كنتيجة للتعديل الأخير على تعليمات الدبلوم المهني في الجامعات وخصوصاً البلقاء التطبيقية دون الحاجة للنجاح في الثانوية العامة.

 بالمقابل مطلوب التطوير في برامج التدريب والتأهيل المهني حيث هنالك ازدياد في فئة الشباب الباحثين عن عمل ليس في الأردن فحسب بل في منطقة اقليم الشرق الأوسط والخليج العربي برمّته، وبالتالي مطلوب تطوير المهارات التي يمتلكها الشباب لتكون مواءمة لسوق العمل.

بالطبع هنالك أفكار طموحة – كما تقوم به بعض الكليات في القطاع الخاص ككلية القدس وكذلك في الجامعات الرسمية كجامعة البلقاء التطبيقية وأخرى- حيث رؤية الحكومة للنهوض في قطاع التعليم التقني والتدريب المهني لرفد سوق العمل باحتياجاته من العمالة الماهرة وبما يسهم في خفض معدل البطالة بين الشباب، وهذا لن يتم الا بالمهارات اللازمة لذلك.

وربما نحتاج أيضاً لتعزيز التنسيق بين وزارة العمل والمجموعات ذات الصبغة المهنية والتقنية –كلمينوس وغيرها- والصناديق الاقراضية مثل صندوق التنمية والتشغيل وصندوق تنمية المحافظات وصندوق تنمية الصادرات وغيرها بهدف زيادة الاستفادة من النوافذ الاقراضية لدعم اقامة مشروعات للشباب المتدربين سيما وان الاموال متوفرة لدى هذه الصناديق كما ان الافكار الخاصة بالمشاريع متوفرة لدى الشباب المتدربين.

كما أن هنالك بعض البرامج الناجحة التي باتت تصبّ في خانة التعليم المهني والتقني كبرنامج الدبلوم الفني في جامعة البلقاء التطبيقية، فمطلوب أن تحوي كل جامعة منظومة متكاملة للتعليم التقني والتأهيل والتدريب، وخصوصاً أن التعديلات الأخيرة على الثانوية العامة ربما تحث الطلبة التوجه للتعليم التقني وتعزز فيهم روح المبادرة لذلك، فقرار السماح لمن يحوز معدل 50 % فما فوق و40 % في كل مبحث بمواصلة تعليمه، سيزيد من عدد الطلبة الذين يحق لهم الالتحاق بالتعليم التقني وكليات الجامعية المتوسطة، بالرغم من التخوّف بأنه سيؤول لاهمال بعض المواد الأساسية عند البعض! وخفض التخصصات الأكاديمية بواقع 2-4% سنويا لعشرة سنوات ليصبح التقني 40% بعد عشر سنوات أمر جيد وسيصب في مصلحة الطلبة والخريجين وسوق العمل.

وبناء مجتمع الريادة والاعمال الصغيرة والمتوسطة واحد من الطروحات المهمة التي تقلل من البطالة وتجعل الخريجين مؤهلين لولوج سوق العمل، وهنالك نظرات ورؤى استشرافية واستباقية لبناء الاقتصاد المعرفي والتنموي واقتصاد السوق للحقبة القادمة، تماما كما هي خطة النهوض وخطة التحفيز الاقتصادي في الاردن.

وباتت المهارات الناعمة للطلبة الجامعيين البوابة الرئيسة لمداخل سوق العمل وخصوصاً اللغات والحاسوب والتواصل والاتصال وغيرها، كما أن التشاركية بين القطاعين العام والخاص مفصل هام لغايات المساهمة في تطوير العلاقة البينية في كافة مراحلها بين التعليم العالي وبيئة الاعمال وسوق العمل، والمطلوب تلبية احتياجات القطاع الخاص ومؤسساته من الكوادر المؤهلة وتشغيلهم فيه بما يتوافق مع تخصصاتهم وبما يتلاءم مع الفرص الوظيفية المتاحة، كما هو مطلوب من القطاع الخاص تفهّم العلاقة البينية بين مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل.

هنالك تردد القطاع الخاص المحلي في توظيف الكوادر الوطنية بحجة عدم مواءمة تخصصات الطالب الخريج مع احتياجات ومتطلبات سوق العمل، ولذلك فان توفير الكوادر الوطنية المؤهلة يجب أن ينطلق من تحديد احتياجات سوق العمل والتخصصات المطلوبة وهذا ما يعطي لقضية المواءمة أهمية حيوية، كما أن هنالك ضرورة لتوفّر مهارات ناعمة اضافية عند الخريجين -اللغات الأجنبية والحاسوب، الخ- وتوفير خطة تعليمية تخدم هذه الاحتياجات وتعمل على توفير التخصصات التي يحتاج اليها سوق العمل، والثقافة المجتمعية ما زالت لا تشجّع التعليم التقني والمهني، ولذلك هنالك ضرورة لاشراك أصحاب العمل في وضع السياسات التعليمية والتدريبية واعداد المناهج ومراقبة جودة الأداء لتنسجم سياسات التعليم التقني مع احتياجات السوق.

فأسباب ضعف المواءمة ما بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل يعود الى انخفاض الكفاءة النوعية لمؤسسات التعليم العالي التي من مؤشراتها -تدني التحصيل المعرفي والتأهيل التخصصي وضعف القدرات التحليلية والابتكارية والتطبيقية، والقصور في تعزيز القيم والاتجاهات الانتاجية- وانخفاض الكفاءة الخارجية الكمية والنوعية، ويتمثل ذلك في تخريج أعداداً من الخريجين في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل مع وجود عجز وطلب في تخصصات أخرى.

ولهذا فان التعامل مع فجوة مخرجات التعليم وسوق العمل يجب أن يتعامل مع ثلاثة محاور هي محور سوق العمل من حيث عدم الثقة الكافية لدى مكونات سوق العمل في قدرات وامكانات مؤسساتنا التعليمية، وغياب لاستراتيجية تشغيل كاملة ومتكاملة، وسرعة تغيير في احتياجات سوق العمل، ونقص في البيانات المتوافرة من قبل السوق، وانعكاس ذلك على استجابة مؤسسات التعليم لاحتياجات السوق، والمحور الثاني محور اصلاحات الاقتصاد من حيث تحفيز ايجاد فرص عمل في القطاع الخاص، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم التسهيلات والدعم لهذه المشاريع، والمحور الثالث محور تطوير التعليم من حيث الارتقاء بمهارات الخريجين عبر تطوير التعليم والتدريب، لتلبي احتياجات ومتطلبات سوق العمل، وايجاد منظومة للتوجيه والارشاد المهني، تبدأ من المرحلة المدرسية الأولى، والتجديد في طرائق التدريس والمناهج لكافة المراحل التعليمية، وهنالك قصص نجاح لدول فيها نسب البطالة متدنية وجودة التعليم عالية وهنالك مواءة مرنة بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل فيها مثل سنغافورة وفلندا وأمريكا والسويد وماليزيا غيرها.

نحتاج لتطبيق استراتيجيات نوعية لدعم المواءمة بين مخرجات التعليم وحاجات السوق، وتالياً بعض الأمثلة والطروحات: تطوير التخصصات المركبة، وانتهاج سياسة التشغيل الذاتي وليس التوظيف، ودعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وولوج تخصصات التعليم المهني -طاقة متجددة، هايبرد، مساحة، الخ-، وتطوير مفهوم الريادة والتمويل لفرص اقتصادية لمشاريع صغيرة ومتوسطة، واعتماد التنافسية كمعيار للكفاءة في القطاعين العام والخاص، وتجنب التكرار في التخصصات، وتجميد القبول في التخصصات الراكدة والمشبعة، والتوسع بمساقات التعليم الالكتروني والتعلم عن بعد، واعادة تأهيل الخطط الدراسية لمواكبة متطلبات العصر وسوق العمل، والتركيز على تخصصات تطبيقية تقنية بحتة وليست أكاديمية، وانشاء وحدات التشغيل ومتابعة الخريجين والتركيز على المهارات العصرية الناعمة، والتركيز على دور البرامج التحضيرية لاختيار التخصصات الجامعية.

وبصراحة مطلقة نحتاج لاطلاق ثورة بيضاء لمحاكاة لغة العصر في مثلث العلاقة بين التعليم وجودته من جهة وسوق العمل من جهة أخرى والنهوض الاقتصادي في المحصلة، على سبيل خلق التغيير المنشود في الثقافة المجتمعية القابلة لمجتمع الريادة والتعليم التقني والمهارات الناعمة والخشنة وتكاملية التعليم العام والعالي، والا فنسب البطالة ستكون باطّراد وسيبقى هرمنا التعليمي مقلوباً!

عن الدستور

جميع الحقوق محفوظة © الحقيقة الدولية للدراسات والبحوث 2005-2023