بقلم : محمد حسن العمري
لم يعد غريبا ان تجلس ساعة وأكثر وعائلتك منتظرا في البهو، ان يجئ دورك في مطعم حمص وفول بشارع المدينة المنورة ، لتكون فاتورة الإفطار لعائلة من أربعة أنفار بعشرين دينارا، وهو ذات الأمر الذي حصل معي من يومين في إجازة قصيرة في الأردن ، تنتظر أكثر من ساعة لتدفع ثمن جلسة حمص وفول محدد الصحن الواحد مع الضرائب المضافة بما يتجازو الدينارين ، ومطاعم خالية من الزبائن كانت عامرة ذات يوم في وسط البلد و شرق عمّان تبيع الصحن الواحد بربع هذا الثمن، هذا التزاحم الكبير على التسوق والرفاهية التي بدأت تضيق بها مرافق عمّان الغرب التي كانت يوما ما هادئة الا من فئة ، قليلة هي الاقلية المترفة في عمّان وسط تزاحم الفقر والشعبية العامة ، هذه الشعبية التي بدأت تأخذ منحى آخر اليوم..
قبل نحو شهرين كتب كامل نصيرات في الدستور ان مدير التحرير دعاه إلى الانفتاح أكثر على مجتمع عمان الغرب مما دعاه إلى زيارة
عرضية إلى الصويفية ليرى هذا الكم الهائل من التسوق الذي كان يوما ما أيضا، حصرا على وسط البلد وجبل الحسين والتجمعات الشعبية، ودعوة مدير تحرير الدستور لها بالفعل ما يبررها بل ما يحث عليها باعتبار ان طبقة كتاب الصحف الأردنية القادمة معظمها من عمان الشرق والزرقاء واربد والجنوب، كانت تمثل في مقالاتها فئة معينة تستقوي بمقالاتها بهم، وهذه الفئة التي بدأت تنحسر مع تطور البلد تدريجيا وبعضها ذاب أصلا في مجتمع عمّان الغرب، الا ممن استعصى على ذلك بفعل ثقافة الاستهلاك المقنن الذي رافق سكان غير مجتمع عمان الغرب ، فالبورصة التي انهارت او أجهضت كما يرى أربابها ، كشفت الكثير عن رؤوس أموال في الطبقة الدنيا من المجتمع الأردني، فالذي كان يودع عشرات الآلاف او مئات الآلاف من الدنانير في البورصة، ويعيش عيشة التقشف والانحياز شكلا نحو الحاجة والعوز، هذا كان من الصعب عليه ان يندمج في مجتمع غرب عمّان السائد اليوم في الأردن والذي يعتمد ثقافة الاستهلاك والتمتع
بما توفر، والكثير من سكان غرب عمان بالطبع لا يمتلكون أعشار ما كان يمتلكه المقهورين الكادحين(!!!) في البورصات ، وذات الفكرة يقولها سكان مدن عربية ترميهم شعوبهم بالشح مثل الموصل في العراق وحمص في سوريا وحضرموت في اليمن ، وهم من اغنى المدن في هذه الدول ويدافعون عن أنفسهم شحا بأنهم خاضوا ظروفا صعبة من الحصار والتشرد جعلت ثقافة الشح هي الدارجة ، رغم غنى هذه الفئات ، وهو ما صارت إليه الكثير من الفئات التي تحسن مستواها المادي وأبقت على سلوكها المعيشي..!
أعود لما بدأ يسحب البساط من تحت كتاب الصحف الأردنية القادمين من مجتمع بدأت ثقافته تغيب تدريجيا ، مع هذه الهيمنة المطلقة لما كان يعرف بثقافة عمان الغرب، وهي اليوم ثقافة مجتمع عمان بغالبيته ، فالجامعة الأردنية منذ أكثر من 30 سنة كنتَ ترى طوابير السيارات التي يمتلكها طلابا من غرب عمان تقف إلى جانب سور الجامعة الممتد من مستشفاها إلى جامعها، وهو ما لم يكن موجودا في جامعتي مؤتة واليرموك السائدة بطلبة الأرياف والبوداي ، الذي كان يمتلك سيارة من الطلبة كان معروفا للجميع في جامعتي اليرموك ومؤتة، بضع سيارات كانت تقف قبل نحو 15 سنة لطلبة قادمين من عمان الغرب اما جامعة العلوم والتكنولوجيا في اربد، هذا الامر اليوم تراه مختلفا في كل جامعات الاردن تقريبا!.
سبق للكاتب المعروف سميح المعايطة ان كتب عن ضرورة رفع فاتورة الاقتصاد المدرسي للطالب ، لان الأهل ما زالوا يعتمدوا على قيمة مشتريات أولادهم حيث كانت قبل عهد الغلاء، اذكر انه قال بالحرف ان – سندوتش الزعتر- لم يعد يكفي ويحسب استهلاك الطالب بحبتين من جبنة المثلثات ، هذا المقال القريب العهد للأستاذ المعايطة يعيش خارج تفكير شريحة كبير اليوم ممن يستهلك أبناؤهم في المدرسة ما لا يستهلكه طالب جامعة في فصل كامل من جيلي الذي ينتمي له الكاتب المعايطة، وهو لم يعد متاحا اليوم اذ كانت تبلغ فاتورة الفصل الدراسي في كلية الطب
بالأردنية والتكنولوجيا للطالب 400 دينارا وهذه الفاتورة اليوم لا تغطي طالب بمدرسة في غرب عمان من مستوى رياض الاطفال..!
وكتب الأستاذ احمد حسن الزعبي مقالا قبل نحو سنة فيما اذكر عن الإجازات وكان محقا في بعضها ، لأنه يتحدث عن فئة المغتربين الباحثين عن توفير بيت وتعلم الأولاد لا أكثر ، حيث يقضون إجازاتهم بعد ان يصلوا البلد على أكل البيض واللحمة المفرومة رخيصة السعر ، بعد ان يكونوا قد وصلوا البلد بسيارات بالكاد أوصلتهم إلى الأردن بعد ان ( سلقوا) أطفالهم بالحر و صوت محمد عبده ، هكذا فيما اذكر وصف الكاتب احمد الزعبي ، لكن مما لا شك فيه ان الفئة الأكبر من المغتربين اليوم يقضون حياتهم في الخليج في مستوى استهلاك كبير – لايف ستايل – وهذا غاية استمراريتهم في دول الخليج الفائضة بالمغريات، وعندما يأتون إلى الأردن يقضون إجازاتهم في الفنادق الراقية التي تضاعفت بالمئات خلال سنوات ومثلها المطاعم ، وينفقون ما تم رصده خلال عام في شهر واحد، وهذا يختلف كليا عن المغترب الكادح الذي رمى به الفقر بالخليج وعاده بسلوكه قبل ان يذهب...!
الذي يشاهد مولات عمان اليوم وأسواق غرب عمان المزدحمة حد الإشباع بالزبائن، ويشاهد تراجع وموت كثير من الأسواق الشعبية، يدرك قيمة ما ذهبت إليه من سيادة مجتمع عمان الغرب وثقافته على المجتمع الأردني، وهو ما تحاول بعض الأسواق التجارية ان تسابق الثقافة فيه، فبدأت المولات التجارية تمتد لشرق عمان وبعض المناطق خارج عمان، مقلدة مجتمع غرب عمان وربما تخوض تجربته او يخوضه بعض أفرادها، وهو ما لا ينطبق على المجتمع العكس، يعني ليس ثمة امتداد لمجتمع غرب عمان إلى المجتمع الشعبي ، الذي يجعل من مجتمع عمان الغرب هو المجتمع الشعبي القادم ، وهو ما لم يجاريه الكتاب اليوم، وهو ذات الشيء الذي دعى له مدير تحرير الدستور إلى الانفتاح على غرب عمان ، وباعتقادي ان معظم الكتاب والصحفيين في العالم قادمون من المجتمعات الشعبية العاملة ، وهو الذي خلق هذه الفجوة ، واعتقد أكثر ان مجتمع الإعلام الأردني كذلك باستثناء قليل مثل عائلة الشريف التي
خرّجت إعلاميين كبار ووزراء، ووزراء إعلام ككامل الشريف ومحمود الشريف ونبيل الشريف ، والتي تنتمي لطبقة لها حضورها العام
فمعظم الأسماء التي نقرأ لها اليوم – وهذا وضع لا يعيب أحدا كالفقر ايضا – جاءت من المجتمع العام والطبقة الاقل حضورا..
ومما يزيد الفجوة كذلك بين الكتاب المحليين وهذا المجتمع الصاعد نحو هذه الثقافة ، ان الكتاب أنفسهم يدركون ان موظفي الراتب المتوسط 300 دينارا ، هي فئة قليلة اليوم ، فلا الكتاب أنفسهم يتقاضون هذه الرواتب السفلية ولا القطاع الخاص الذي يستحوذ على نسبة عملاقة من الموظفين ، بعضها كموظفي البنوك والتامين وشركات التصنيع يتقاضون رواتب كبيرة جدا ، هذا غير العاملين في مصالحهم الخاصة و تدر عليه دخولا يتهربون من الضريبة اذ يتحدثون ، وكذلك فئة المغتربين التي تتقاضى رواتب عالية تذهب معظمها في الاستهلاك اليومي..!
ان تدور حول إحدى مولات غرب عمان ساعة وأكثر مساء الجمعة تبحث عن موقف لسيارتك بعد ات تضئ الشارة الحمراء بامتلاء المواقف الداخلية، وتغادر دون ان تجد موقفا، في الوقت الذي تجد فيه موقفا على جانب شوارع وسط البلد في ظهيرة يوم الخميس التي كانت يوما ما تضيق بالرواد ، تستطيع ان تعرف أين تتجه ثقافة البلد أكثر...!